الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
302
نفحات القرآن
إنّ هذا مجربٌ ، فتارة يتفوه الإنسان بحديث كذب ويعلم أنّه كذب وافتراء ، وعلى ضوءِ إعادة الحديث يقع في شك منه ، ثم يعيده مرات أخرى فيصدق به ، حتى يبلغ درجة الاعتقاد بالرغم من عدم واقعيته ، فيصير حجاباً أمام رؤيته العقلية السليمة . وعلى هذه فلا مجال للقول بأنّ الكذابين هم فريق من اليهود وأنّ المخدوعين يمثلون فريقاً آخر . جج وقد أشارت الآية الثانية إلى قوم عاد ، وهم قوم ذو قدرة ، كانوا يعيشون في الأحقاف ( جنوب أو شمال الجزيرة العربية ) ، وابتلوا بالريح العاصف إثر تكذيبهم لرسولهم « هود » وإثر ظلمهم وفسادهم في الأرض . فالآية تقول : « وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيْمَا انْ مَّكَّنَّاكُمْ فِيْهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً . . . وَحَاقَ بِهِمْ مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ » . إنّ الآية تؤكد أن تكذيبهم المتوالي لآيات اللَّه سبَّب سلب إدراكهم ومعرفتهم ، فابصارهم ترى وآذانهم تسمع وأفكارهم تعقل ظاهراً ، إلّاأنّ الستار الحاجب حال دون استعانتهم بوسائل المعرفة هذه فابتلوا بعذاب اللَّه . « يجحدون » من مادة « جحود » ويعني في الأصل نفي شيء تيقن الإنسان من وجوده أو إثبات شيءٍ يؤمن الإنسان بعدمه ، وبتعبير آخر : الجحود يعني انكار الواقعيات عمداً وعن معرفة « 1 » . إنّ التجربة أثبتت أنّ الإنسان إذا ما استمر في انكار الحقيقة ، فستصبح القضايا التي يؤمن بها بشكل قطعي مورد شك وبشكل دائم ، وإذا استمر الانكار أكثر فإنّ قدرته على التمييز تتبدل بحيث يرى الحق باطلًا والباطل حقاً .
--> ( 1 ) . مفردات الراغب مادة ( جحد ) ، كما يقول الجوهري : إنّ الجحود هو الانكار مع العلم . كما ذكر ذلك صاحب مجمع البحرين في مادة ( جحد ) .